بقلم: أ. د. إيمان البشيتي نائب رئيس جامعة جدارا
لم يعد تطوير منظومة البحث العلمي خياراً أكاديمياً أو ملفاً يقتصر على الجامعات، بل أصبح استحقاقاً وطنياً يرتبط بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة وتوظيفها في صناعة القرار، وتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز تنافسيتها في اقتصاد المعرفة.
ورغم ما حققته الجامعات الأردنية من تقدم في حجم الإنتاج البحثي والنشر العلمي، فإن السؤال الأهم اليوم لم يعد: كم بحثاً نشرنا؟ بل: ما الأثر الحقيقي الذي أحدثته هذه الأبحاث في المجتمع والاقتصاد والسياسات العامة؟
من هنا، تبرز الحاجة إلى الانتقال من ثقافة “البحث من أجل النشر” إلى ثقافة “البحث من أجل الأثر”؛ بحيث لا تنتهي قيمة البحث عند نشره في مجلة علمية، وإنما تبدأ من قدرته على معالجة تحدٍ حقيقي، وإنتاج حل قابل للتطبيق، ودعم قرار يستند إلى الأدلة، أو إحداث تغيير ملموس في المجتمع.
إن بناء هذه المنظومة يتطلب ربط الجامعات والباحثين بالحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات الإنتاجية، وتحويل التحديات الوطنية إلى أولويات بحثية واضحة، تُبنى عليها مشروعات علمية تطبيقية، وتُوجَّه إليها الموارد والتمويل، مع وجود آليات مؤسسية تتابع نتائج الأبحاث وتقيس أثرها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية إنشاء منصة وطنية للبحث والابتكار التطبيقي تكون حلقة وصل بين المعرفة والاحتياج، وبين الباحث وصانع القرار، وبين الجامعة والقطاع الإنتاجي. منصة تجعل من التحديات الوطنية نقطة انطلاق للبحث العلمي، ومن نتائج الأبحاث حلولاً قابلة للتطبيق.
كما أن قياس نجاح البحث العلمي يجب ألا يقتصر على عدد الأبحاث المنشورة أو معدلات الاستشهاد بها، بل ينبغي أن يمتد إلى قياس أثرها الاقتصادي والاجتماعي والتشريعي والإداري والتنموي. ولذلك، فإن إنشاء مرصد وطني لأثر البحث العلمي يمكن أن يشكل خطوة مهمة في بناء مؤشرات أكثر شمولاً لقياس العائد الحقيقي من الاستثمار في البحث والمعرفة.
إن الأردن يمتلك طاقات وكفاءات بحثية قادرة على إنتاج معرفة تنافسية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في بناء منظومة تجعل هذه المعرفة جزءاً من دورة التنمية وصناعة القرار.
فالمستقبل لا يُبنى بكثرة ما ننشره فقط، وإنما بما نستطيع أن نحوله من معرفة إلى أثر.
ومن هنا، فإن الهدف يجب أن يكون بناء منظومة بحثية أردنية لا تكتفي بإنتاج المعرفة، بل تربط المعرفة بالحاجة، والبحث بالحل، والجامعة بالمجتمع، والنتيجة بالأثر.
من النشر إلى الأثر… تلك هي الخطوة القادمة في مسيرة البحث العلمي.
وفي الوقت ذاته، تقتضي العدالة في تقييم البحث العلمي الاعتراف بتنوع أشكال الأثر بين التخصصات. فالأثر في العلوم التطبيقية قد يظهر في براءة اختراع أو منتج أو تقنية، بينما قد يظهر في العلوم الإنسانية والاجتماعية في تطوير تشريع، أو بناء وعي مجتمعي، أو تعزيز الهوية والقيم، أو تحسين السياسات العامة.
تسعى جامعة جدارا إلى تعزيز دور البحث العلمي بوصفه أداة لحل المشكلات ودعم التنمية وصناعة القرار، وليس نشاطاً يقتصر أثره على النشر العلمي. ومن هذا المنطلق، تقترح الجامعة إنشاء منصة جدارا للبحث والابتكار التطبيقي والأثر ضمن مركز أبحاث جدارا، لتكون حلقة وصل منظمة بين الباحثين والجهات الحكومية والخاصة والصناعية والمجتمعية.
تستقبل المنصة التحديات الواقعية التي تواجهها المؤسسات، وتحولها إلى مشاريع بحثية تطبيقية قابلة للتنفيذ والقياس، ثم تتابع تبني النتائج وتوثق الأثر المتحقق منها.
الرؤية والهدف العام
الرؤية: أن تكون جامعة جدارا نموذجاً رائداً في تحويل المعرفة والبحث العلمي إلى حلول عملية ذات أثر اقتصادي واجتماعي وصحي وبيئي وإداري.
الهدف العام: ربط خبرات الباحثين في الجامعة باحتياجات المؤسسات، وتحويل التحديات ذات الأولوية إلى مشاريع بحثية تطبيقية، مع آلية واضحة للتمويل والتنفيذ وقياس الأثر.
الأهداف التنفيذية
الموقع المؤسسي والحوكمة
تُنشأ المنصة في مرحلتها الأولى كوحدة متخصصة ضمن مركز أبحاث جدارا، وبإشراف إدارة المركز ودعم رئاسة الجامعة. ويجري تقييم التجربة بعد السنة الأولى تمهيداً للتوسع المؤسسي عند الحاجة.
مسارات العمل الرئيسة
التمويل والشراكات
تعتمد المنصة نموذجاً مرناً للتمويل، ولا يشترط تطبيق نسبة ثابتة في جميع المشاريع. ويحدد نموذج التمويل حسب حجم المشروع وقدرة الجهة والأثر المتوقع.
تمويل كامل من الشريك
للمشكلات الداخلية للشركات أو المصانع أو المستشفيات التي تستفيد مباشرة من الحل.
تمويل مشترك
للمشاريع التي تحقق منفعة مشتركة للجامعة والجهة المستفيدة.
تمويل بذري من الجامعة
لتجارب إثبات الفكرة أو المشروعات المجتمعية ذات الأولوية العالية.
مساهمة عينية
توفير بيانات أو مواقع تجريب أو عينات أو أجهزة أو خبراء من الجهة الشريكة.
إطار قياس الأثر
يُطلب من كل مشروع تحديد مؤشرات أثر منذ البداية، مع توثيق أدلة واضحة بعد التنفيذ. ويُصنف الأثر إلى اقتصادي، أو صحي، أو اجتماعي وتعليمي، أو بيئي، أو إداري، أو سياساتي، أو تقني وابتكاري.
مخرج بحثي
تقرير، أداة قياس، قاعدة بيانات، نموذج أولي أو توصيات.
استفادة أولية
تجريب حل أو الاستفادة من تدريب أو دراسة من قبل جهة محددة.
تطبيق فعلي
اعتماد إجراء أو نظام أو توصية أو منتج من الجهة المستفيدة.
أثر قابل للقياس
خفض كلفة، تقليل وقت، تحسن خدمة، زيادة إنتاج أو تحسن مؤشر صحي أو بيئي.
أثر مستدام
استمرار الحل أو تعميمه على فروع أو جهات أخرى.